محمد جمال الدين القاسمي
41
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإذ كان أولياء اللّه هم ( المؤمنون المتقون ) فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته للّه تعالى ، . فمن كان أكمل إيمانا وتقوى ، كان أكمل ولاية للّه . فالناس متفاضلون في ولاية اللّه عزّ وجلّ ، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى ، وكذلك يتفاضلون في عداوة اللّه بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق . وأولياء اللّه على طبقتين : سابقون ومقربون وأصحاب يمين مقتصدون ، ذكرهم اللّه في عدة مواضع من كتابه العزيز . فالأبرار أصحاب اليمين ، هم المتقربون إلى اللّه بالفرائض ، يفعلون ما أوجب اللّه عليهم ، ويتركون ما حرم اللّه عليهم ، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات ، ولا الكفّ عن فضول المباحات . وأما السابقون المقربون ، فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ، ففعلوا الواجبات والمستحبات ، وتركوا المحرمات والمكروهات ، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم ، أحبهم الرب حبّا تاما ، كما قال تعالى « 1 » : « ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه » يعنى الحب المطلق . ثم إذا كان العبد لا يكون وليّا للّه إلا إذا كان مؤمنا تقيّا ، لهذه الآية - فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليّا للّه . وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته ، وإن قدر أنه لا إثم عليه ، مثل أطفال الكفار ، ومن لم تبلغه الدعوة ، وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولا ، فلا يكونون من أولياء اللّه ، إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين . فمن يتقرب إلى اللّه . لا بفعل الحسنات ولا بفعل السيئات ، لم يكن من أولياء اللّه . وكذلك المجانين والأطفال ، فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « 2 » : رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبيّ حتى يحتلم ، وعن النائم حتى يستيقظ . وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث عائشة رضي اللّه عنها ، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول . ولكن الصبي المميّز تصح عباداته ، ويثاب عليها عند جمهور العلماء ، وأما المجنون الذي رفع عنه القلم ، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء ، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات ، بل لا يصلح هو ، عند عامة العقلاء ، لأمور الدنيا . كالتجارة والصناعة . فلا يصح أن يكون بزازا ولا
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الرقاق ، 38 - باب التواضع ، حديث 2440 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الحدود ، 22 - باب لا يرجم المجنون والمجنونة ، وقال عليّ لعمر : أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق وعن الصبيّ حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ .